الخميس، 13 سبتمبر 2018

الاقتصاد العراقي بين مطرقة العمالة الوافدة الرخيصة .. وسندان الأجور المرتفعة للعمالة المحلية!



الاقتصاد العراقي بين مطرقة العمالة الأجنبية الرخيصة .. وسندان الأجور المرتفعة للعمالة المحلية!
لنبدأ بالتساؤل التالي: لماذا لا (يستقدم) الاقتصاد التركي – مثلاً – العمالة الأجنبية؟!
السؤال قد تمت صياغته بدقة، فصحيح أن الشركات التركية توظف الأجانب (اللاجئين ومقيمي العمل) الموجودين اصلاً في تركياً، ولكنها لا تستقدم وترسل بطلب العمالة الأجنبية من دول أخرى، ولا تتحمل تكاليف نقلهم وإسكانهم، كما يتحمله الاقتصاد العراقي.
ولفهم هذه المشكلة، من الضروري أن نتطرق للموضوع البطالة، والتي من أهم انواعها هي (البطالة الهيكلية)
ما هي البطالة الهيكلية؟!
ببساطة، البطالة الهيكلية هي توفر وظائف، ولكن لا يوجد عاملين يمتلكون المؤهلات اللازمة لهذه الوظائف في سوق العمل.
فمثلاً قد تتوفر وظائف في مجال برمجة الحواسيب، ولكن يقابلها ندرة في الافراد القادرين على أداء هذه الوظيفة، حتى بين أولئك الخريجين. وهذا ما يسمى بـ (البطالة الهيكلية).
إلا إن المشكلة في العراق، هي ليست حتى في (البطالة الهيكلية)، فبنظرة فاحصة سريعة، نجد أن أغلب الاعمال التي تشغلها العمالة الوافدة هي وظائف خدمية ولا تتطلب مؤهلات فوق العادة، فلماذا إذن لا يتم توظيف العمالة العراقية في هذه الوظائف، ولماذا يتم استقدام العمالة الأجنبية من قبل القطاع الخاص في العراق؟!
هناك سببين مهمين:
أولاً السبب الثقافي:
رغم كونه سبب غير اقتصادي، إلا إن تأثيره مهم على الاقتصاد العراقي، فالطبيعة الاجتماعية للعامل العراقي تتطلب الكثير من العطل واضطراره للتغيب عن العمل لأسباب اجتماعية ودينية، وهذا ما قلل من إنتاجية العامل العراقي مقارنة بالعامل الأجنبي الذي غالباً ما تكون حتى إجازاته الطويلة (غير مدفوعة الاجور)!
ومع أهمية هذا السبب، إلا إن السبب الثاني هو الأهم اقتصادياً، وهو (تضخم رواتب العمالة العراقية).
لنبدأ مع: تكاليف الإنتاج.
بشكل أساسي، كل مشروع لإقامته يتطلب عوامل الإنتاج المعروفة (الأرض، الرأسمال، اليد العاملة)، ولهذه العوامل تكاليف، يتم جمعها، ثم إضافة هامش الربح، ليتم تحديد السعر النهائي للمنتج، فمثلاً، تُصنع أو تُباع المنتجات في المدينة بسعر أعلى من الريف، بسبب غلاء إيجارات الأراضي والأبنية في المدينة ورخصها في الريف، وهذا المثال بسيط يوضح كيفية تؤثر تكلفة (إيجار الأرض) وترفع من اسعار المنتجات.
ماذا عن تكلفة الايدي العاملة؟!
بعكس العديد من دول الجوار، يعاني سوق الايدي العاملة المحلية في العراق من تضخم في الأجور وانخفاض في الانتاجية، وإذا أردنا تشبيه (تضخم الأجور) بالدوامة، فإن أول من أطلق هذه الدوامة هي الحكومات المتتابعة للعراق.
فبسبب عائدات البترول، والسياسات المتسرعة ذات الأهداف الانتخابية، تبنت الحكومات سياسات إنفاق حكومي توسعية مبالغ فيها، وذلك من أجل بناء اقتصادي حتى لو كان هزيل، وخلق رفاهية حتى لو كانت خادعة!
ومن باب الإنصاف، فإن سياسات الانفاق المتوسعة جداً قد صفق لها الشعب، ولكن بالتأكيد، لعدم معرفة عواقبها.
فتحت الحكومات باب التعيينات الحكومية على مصراعيه، وتم وضع سلم رواتب بعيداً عن مبادئ الإنتاجية والحاجة الفعلية، وهذا كله، أدى إلى جعل معدل دخل الموظف الحكومي أعلى من دخل نظيره في القطاع الخاص.
فمثلاً، شخصين يتقاضى كل منهما 500 ألف دينار، يعمل الأول بـ 4 أيام استراحة و 26 يوم عمل في شركة قطاع خاص، وبحسبه بسيطة يكون راتبه الفعلي 19 ألف دينار/اليوم.
بينما يعمل زميله الموظف الحكومي 22 يوم و 8 أيام استراحة في الشهر، فيكون راتبه اعلى ويساوي تقريباً 23 ألف دينار..
فرغم تساوي دخلهما الشهري، إلا أن امتياز العطل الكثيرة التي يتمتع بها الموظف الحكومي، زادت من راتبه الفعلي الذي يتقاضاه، وهذا ما زاد من جاذبية الوظيفة الحكومية، وبنفس الوقت زاد شعور التذمر والظلم لدى عاملي القطاع الخاص، وهو ما يدفعهم – في كثير من الاحيان – لتفضيل البطالة على العمل في القطاع الخاص.
قد نعتقد أن الحل هو في زيادة أجور العاملين في القطاع الخاص، إلا إن هذا الحل سيضعنا بين المطرقة والسندان.
فإذا كانت الحكومة تحدد رواتب موظفيها بعيداً عن معايير الإنتاجية والكفاءة، فإن المشاريع الاقتصادية الحقيقية لا تستطيع إلا أن تحدد رواتب العاملين وفقاً لهذه المعايير بالإضافة إلى معيار محدد أخر، وهو معيار سعر المنتج النهائي!
فالشركات العراقية إذا ارادت النجاح والاستمرار، فعليها خلق منتجات ذات تكاليف منخفضة قادرة على التنافس سعرياً مع المنتجات الأجنبية.

مزاحمة الحكومة للاقتصاد الحقيقي.
وهنا تقع المطرقة والسندان، فأما أن يتجه صاحب المصنع لرفع أجور العامل المحلي لجذبه للعمل، وهذا سيؤدي إلى ارتفاع سعر المنتج وبالتالي انخفاض تنافسيته مع المنتجات المستوردة.. أو اللجوء إلى استقدام العمالة الأجنبية الرخيصة، وبالتالي سينخفض سعر المنتج العراقي ورفع تنافسيته مع المنتجات الأجنبية.
هذه المطرقة والسندان، لا نجدها في دول أخرى اتبعت حكوماتها سياسيات رشيدة في إنفاقها الحكومي، وقامت بتحديد احتياجها الفعلي من الموظفين الحكوميين، وتحديد اجورهم بناء على معايير الإنتاجية والعائد.
ففي تلك الدول كتركيا مثلاً، اخذ القطاع الخاص دوره في بناء اقتصاد متين بعيد عن مزاحمة الحكومة لقطاع الاعمال، واستطاع خلق منتجات رخيصة – بسبب رخص عوامل الإنتاج عامة والايدي العاملة خاصة - .

الحل:
في استراتيجيات حل المشكلات، من الضروري التمييز بين (الاعراض) و (المسببات)، لكي يتم استهداف مسببات المرض، وليس أعراضه!
والعمالة الاجنبية الوافدة في العراق هي من أعراض السياسات الحكومية غير الرشيدة، ومن الخطأ الفادح طرد العمالة الأجنبية الذين يخدمون الاقتصاد العراقي! من خلال توفيرهم الايدي العاملة الرخيصة لقطاع الاعمال.
يكمن الحل بمعالجة الأسباب التي أدت إلى ارتفاع أجور العامل العراقي، وهو خفض وترشيد الانفاق الحكومي، واعتماد المعايير الموضوعية التي من شأنها رفع إنتاجية الموظف الحكومي، وليس خفض أجوره، حيث يمكن لهذه الإجراءات وأخرى غيرها أن ترجع بالأجور إلى معدلاتها الطبيعية وترفع من جاذبية العامل العراقي مقارنة بالعامل الأجنبي.
الخلاصة:
لعب (الانفاق الحكومي غير الرشيد) دوراً في رفع أجور الايدي العاملة، وهو ما قلل من جاذبية العامل العراقي مقارنة بمنافسه الأجنبي.
في المقالة القادمة سنتحدث عن دور (الانفاق الحكومي غير الرشيد) في مزاحمة المشاريع الاقتصادية الحقيقية في الاقتراض وهو ما ساهم من طريق أخر بخفض جاذبية بيئة الاعمال والمشاريع في العراق وأثر على الاقتصاد العراقي مرة أخرى!


الجمعة، 6 يوليو 2018

ما هي مشكلة "صندوق النقد الدولي" مع العراق؟!


بداية، من المهم معرفة أن مشكلة "صندوق النقد الدولي" (IMF) ليست مع العراق، بل مع السياسات التي تتبعها مؤسسات الدولة في العراق، هذه السياسات التي تُعتبر غير كفوءة في إدارة أقتصاد البلد، وهو ما أضطر البلد إلى الاستدانة مرة بعد مرة.

وما شأن IMF بالعراق؟!

مرة أخرى، من الضروري معرفة إن IMF ليس مؤسسة ربحية، بل هو مؤسسة استشارية، تدفع الدول اشتراكات لكي تنضم لهذه المؤسسة العالمية، مقابل حصول هذه الدول على الاستشارة والدعم المالي في الأوقاتالحرجة.

ماذا نعني بالأوقات الحرجة؟!

مرة ثالثة، عندما السماع بنبأ لجوء دولة إلى IMF، فمن المهم ان نفهم ضمناً أن هذه الدولة لها تاريخ سيء من السياسات الخاطئة، وأنها قد استدانت كثيراً، لدرجة أن الدول والبنوك الدولية لم تعد راغبة بإقراض هذه الدولة، بسبب سوء أدارتها للاقتصاد.
بمعنى أن IMF لا يذهب إلى الدول لينصحها مهما كانت سياساتها خاطئة وتدميرية! بل أن الدول هي التي تذهب إلى صندوق النقد الدولي لتطلب مشورته ودعمه، عندما تشارف على الغرق في مستنقع الإفلاس!

من الأمثلة على السياسات الخاطئة:

تعتبر سياسة "مزاد العملة" التي يتبعها (البنك المركزي العراقي CBI)، من أبرز الملفات التي ينتقدها (صندوق النقد الدولي IMF) والتي يعتبرها سياسة غير حكيمة في إدارة أقتصاد البلاد.
من وجهة نظر البنك المركزي العراقي CBI فأن سعر الصرف الثابت، هي سياسة لأجل المحافظة على استقرار الأسعار ودعم السوق، وكل ذلك لأجل، مساعدة الطبقة الفقيرة من الشعب. وهذا هدفٌ سامي بلا شك.
أما من وجهة نظر خبراء صندوق النقد الدولي IMF ، فيمكن تشبية "البنك المركزي العراقي" كمؤسسة خيرية تهدف لمساعدة الفقراء، ثم تذهب إلى السوق وتنثر الأموال على رؤوس المارة!
سيحصل حينها الفقراء على الأموال التي يحتاجونها، ولكن التأكيد سيشاركهم بهذه الاموال شريحة ميسوري الحال والاغنياء والتجار المتواجدين في السوق.
وعليه، يرى IMF أن هذه السياسة الاقتصادية وغيرها من السياسات، هي التي تضيع ثروات العراق هباءً دون أن تنعكس على حياة مواطنيه..

ما الذي يقترحه IMF؟!

ما يقترحه IMF هو نفس ما يقترحه منطق العقل والحس الاقتصادي السليم، وهو أن الدعم يجب أن يُوجه لدعم الاحتياجات الأساسية للطبقات الفقيرة وذوي الدخل المحدود، ومن غير المعقول أن يتم دعم جميع الشعب، بمن فيهم ميسوري الحال والاغنياء والاثرياء، ثم يقترح خبراؤه الآليات العملية لتنفيذ هذه الدعم.
من جانبها، تكون الدول غير ملزمة بهذه الآليات، بل يمكنها أن تصيغ الآليات وتقترح الإصلاحات الهيكلية، التي إذا ما التزمت بتطبيقها، فإنها ستنجح بالقضاء على العجز المالي في ميزانيتها، وتقضي على الفساد، وستسدد ليس فقط مستحقات IMF، بل ومستحقات الدول والمؤسسات الدولية.
#التفكير_بعقلية_اقتصادية
#ثقافة_اقتصادية.
#اقتصاد_السوق
#صندوق_النقد_الدولي
#الرأسمالية 

السبت، 7 أبريل 2018

الاحزاب الإسلامية وتشويه الديمقراطية العراقية..



لماذا – أو هكذا يبدو – أن ماكينة الديمقراطية في العراق متعثرة وتعمل بطريقة سيئة، وليس كما تعمل ماكينة "الديمقراطية" في دول أخرى، كألمانيا مثلاً؟!
لنفهم الديمقراطية كالآتي:   
الديمقراطية هي ماكينة يتم فيها إدخال "صوت" الناخب، لتنتج لنا المنتج النهائي المفترض "الرفاهية Well-Being"، فلماذا هذه الماكينة في العراق تتسبب بطحن المواطن، بدلاً من أن تنتج له الرفاهية؟!
صدق أو لا تصدق، في العراق نسمع يومياً أصوات تدعوا (لعدم انتخاب الفاسدين)! في بلد أخر سيبدو ذلك غريباً، ولكن في العراق تتصاعد يومياً الأصوات الداعية (لعدم انتخاب الفاسدين)، في بلد أخر، ستبدو هذه الدعوة غريبة جداً، فلا يوجد شخصاً "عقلاني" ينتخب فاسداً!
لنسمك رأي الخيط "عقلاني" ونبدأ منه: هل الناخب العراقي "عقلاني" في قرارته؟! لكي نطالبه بعدم انتخاب الفاسدين؟!
آمن الاقتصاديون التقليديون بنظرية (الرشد أو الرجل الاقتصادي economic man)، التي فحواها، أن الإنسان بطبيعته يختار الأمثل بين عدة خيارات أمامه..
تغير الحال تقريباً، فمع صعود نجم نظرية (الاقتصاد السلوكي)، بات رجال الإدارة والإقتصاد يؤمنون بأن الإنسان كثيراً ما يختار الأسوأ حتى مع وجود الخيار الأفضل أمامه، فهناك عدة عوامل تؤثر في قرار الفرد، مثل: (رغباته، انتمائه، مصالحه الضيقة مقابل مصالحه الاستراتيجية، ميوله الفكرية، تجاربه وثقافته، وعوامل أخرى).
إن "عدم العقلانية" ليس عيب الناخب العراقي فقط، بل هو تحدي أمام أي إنسان يتخذ قراراً، فلماذا إذن تبرز هذه المشكلة في الديمقراطية العراقية أكثر من باقي الديمقراطيات الناجحة؟!
لنلخص ما قلناه: (يتأثر الناخب العراقي بعوامل عديده، تدفعه لاتخاذ قرارات سيئة، ينتج عنها وصول الفاسدين أو الحمقى إلى سدة السلطة).
كيف يمكن أن نقلل تأثير هذا العيب المتأصل في الإنسان؟!
كيف يمكن تقليل أثار الاختيار "اللاعقلاني" للناخب الذي يؤدي إلى وصول الفاسدين والحمقى إلى الحكم؟!
هنا يأتي دور "الإباء المؤسسون" الذين صمموا الماكينة الديمقراطية لكل بلد.
فالمؤسسين للديمقراطيات التي تعمل بصورة جيدة، قاموا بتصميم وتزويد ماكينة ديمقراطيتهم بإجراءات وقائية لتقليل أثار القرارات غير العقلانية للناخب، مثل:
-          الفصل بين السلطات.
-          الحد من سلطة السياسي على الإعلام.
-          حرمان المرشح من استغلال المال السياسي في حملاته الانتخابية.
-          استقلالية البنك المركزي. وغيرها...
بينما نجد في الديمقراطيات ذات الأداء السيء، إن الاباء المؤسسون قاموا بتصميم الماكينة الديمقراطية، ليكون الهدف منها إبقائهم في السلطة وليس لتحقيق الرفاهية لشعوبهم، مستغلين في ذلك القرارات غير العقلانية للناخب..
ساهم "سياسيو الإسلام السياسي" بحصة الأسد بتصميم وتشكيل ماكينة العراق الديمقراطية الحديثة، لكي تبقيهم في السلطة وليس لتحقيق الرفاهية لشعبهم.
وسنتعرف في مقال لاحق عن أكبر تحدي فكري أخفق إسلاميو السلطة في مواجهته، والذي أنتهى بهم بتأسيس نظام ديمقراطي مشوه، غير قادر على توفير الرفاهية لمجتمعهم وشعبهم.

ولكي تكتمل الصورة من المهم معرفة العوامل الاخرى التي ساهمت بتشكيل الديمقراطية المشوهة في العراق، فبالإضافة إلى "النخبة السياسية المؤسسة" تأثرت الديمقراطية الوليدة في العراق بثلاث عوامل أخرى:
(المؤسسة الدينية، المؤسسة العشائرية، الإرث الاشتراكي)، وبوضع هذه العناصر الأربعة مع بضعها، تكتمل الصورة الاكبر.



الأحد، 17 ديسمبر 2017

العراق مصنعاً لـ "إنتاج الفقراء" !


في جلسة ممتعة تجاذبت فيها أطراف الحديث مع صديقي "الناشط السياسي"، الذي توقف برهةً عن الحديث متأملاً عبارتي: (إن وظيفة السياسي هي التفكير بالاقتصاد وليس بالفقراء!) فسألني: هل نتخلى عن الفقراء؟!
فأجبته: إن الاقتصاد الذي يعمل بصورة جيدة، هو الذي يتكفل بإيجاد الوظائف للفقراء وزيادة دخلهم، بينما الاقتصاد السيئ سيخلق لك المزيد من العاطلين ويزيد الفقراء فقراً وعدداً، فبأيهما نركز؟!

تكمن المشكلة في الخلط الحاصل بين وظيفة (السياسي) و بين وظيفة (الناشط في المجال الإنساني)، فالناشط في المجال الإنساني يركز على الفقراء العاجزين عن العمل لأسباب واضحة مثل العمر أو الاحتياجات الخاصة..
بينما وظيفة السياسي هي السعي لبناء اقتصاد قوي وفعال، عبّر تبنيه للسياسات والانظمة التي توفر البيئة القانونية والمؤسسية الصحية التي تستقطب الاستثمارات ورؤوس الأموال؛ وفي المرحلة التي يبدأ فيها الاقتصاد بالعمل بصورة جيدة، فسيوفر المزيد من الفرص للعاطلين، وسيرفع دخل والفقراء وإخراجهم من دائرة الفقر.

وكلما نجح السياسي بتبني سياسات وإقرار قوانين تؤدي إلى اقتصاد قوي وسليم، كلما نجح أكثر في مساعدة الفقراء بطريقة أكثر كفاءة.
وعلى النقيض، عندما يبدأ السياسي – ولأغراض انتخابية – بمنح المزيد من المساعدات المالية والخدمات المجانية للشعب، ففي هذه الحالة، هو يساهم بتحطيم اقتصاد بلده ويزيد فقراءه فقراً..

يمكن لـ(ملف الفقر) إن يساهم بدور تدميري للاقتصاد الوطني، إذا لم تتم إدارته بطريقة حكيمة، حيث تشكل المساعدات غير المدروسة عبئاً على الميزانية، وكثيراً ما يتحول عبء المساعدات المجانية للفقراء إلى ديون خارجية مستقبلاً، أو يُترجم لضرائب إضافية على القطاعات الإنتاجية وشركات الأعمال؛ حيث إن ارتفاع وتيرة الضرائب على القطاعات الإنتاجية، يؤدي إلى سلسلة التبعات، تنتهي بإغلاق هذه المشاريع الإنتاجية أو هروب رؤوس الأموال، إلى حيث البلدان التي تتمتع بضرائب أقل..
وهكذا ستتسع شريحة العاطلين، وسيزداد الفقراء فقراً وفاقة.
كلها هذه التداعيات بدأت عندما تعاطف السياسي مع الفقراء، تعاطفاً غير منطقي، وقرر مساعدتهم بالمال بدلاً من الوظائف، فتسبب بإضرارهم بدلاً من مساعدتهم..

إن مساعدة الفقراء هي مسؤولية الناشطين في المجال الإنساني، أما الناشط السياسي فمسؤوليته هي مراقبة أداء الاقتصاد، ومدى سلامة بيئة الأعمال والاستثمار، وهذه المراقبة تتم من خلال متابعة مؤشرات وأرقام مثل{معدلات التضخم، معدلات البطالة، معدل النمو الاقتصادي} التي يشير تحسنها إلى أداء جيد للاقتصاد وإلى تحسن معيشة المواطن وخروجه من تحت خط الفقر.. وهذه هي الوظيفة الأهم السياسي..
وهنا تبدأ مسؤولية "الناشط السياسي" وهي مراقبة مدى كفاءة "السياسي" بأداء وظيفته في تحسين الاقتصاد الوطني، بدلاً من المطالبة بمساعدة الفقراء بمنحهم المساعدات والخدمات المجانية، فمنح الفقراء الرواتب سيعمل على تحويل الفقر إلى مهنة، وربما تتطور هذه المهنة إلى سرطان يثقل الاقتصاد ويلتهمه ويولد المزيد من الفقراء..




الأربعاء، 25 أكتوبر 2017

مشاريع الفيل الأبيض في العراق


مشاريع الفيل الأبيض، هي المشاريع الخاسرة التي تنشئها الدولة،حيث تكون تكاليف إنشاءها ومصاريفها التشغيلية أكثر من عائداتها، فتكون صافي أرباحها بالسالب (خسارة).
اقتبس وصف "الفيل الابيض"  من عادات الملوك الأسيويين القدامى، حيث يروى أن الملوك السياميين، كانوا يهدون فيلاً ابيض لأغنياء البلاط غير المرغوب فيهم، ولكون هذا الفيل مقدساً وهديةً من الملك، فهو يستلزم عناية خاصة، التي تكون مكلفة  وتصل إلى حد إفلاس ذلك الغني..
ومن هنا أُطلق وصف الفيل الأبيض، على المشاريع التي يُراد منها إفلاس خزينة الدولة عمداً أو بدون عمد.
غالباً ما يتجه السياسيون لإنشاء مشاريع الفيل الأبيض لأغراض سياسية وانتخابية، بعيداً عن الجدوى الاقتصادية لهذه المشاريع، بل وإصرارهم على تمويل خسائر هذه المشاريع من خزينة الدولة، حتى مع علمهم بخسائرها، وعدم تحقيقها لأهدافها الاقتصادية.
في عراق ما بعد 2003 أتجه الساسة لإنشاء مشاريع الفيل الأبيض، باعتبارها أسرع الطرق لمواجهة البطالة، بالإضافة إلى كسبهم الأصوات الانتخابية، ناهيك عن كونها مرتعاً للفساد المالي.
ومن الأمثلة الواضحة على مشاريع الفيل الأبيض، هي شركة الخطوط الجوية العراقية وشركات وزارة الصناعة والمعادن.
والسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه: ما الدليل على خسائر هذه الشركات؟!
وهذا هو جوهر المشكلة في شركات القطاع العام الحكومية، وهو عدم وجود كشف بالحسابات السنوية أو صعوبة الوصول إليها.

في الجانب الأخر، تكون الشركات المساهمة في القطاع الخاص، ملزمة بتقديم كشوفات والإعلان عن حساباتها الختامية سنوياً، ليتمكن المستثمرون من تقييم مدى ربحية هذا الشركات.
هذه الشفافية في الشركات الخاصة لا يمكن إيجادها في مشاريع الفيل الأبيض (شركات القطاع العام) التي غالباً ما تكون قد أنشئت لأغراض سياسية، ويتم التكتم وإخفاء أرقام خسائرها وأرباحها، ولهذا يصعب تحديد ما إذا كانت هذه الشركات الحكومية رابحة فعلاً؟! أم يتم تمويل خسائرها المستمرة من خزينة الدول؟! 

السبت، 4 فبراير 2017

أصول اللعبة.. لماذا يصعب مواجهة النظام الإيراني؟


بات المعسكر المناوئ للتوسع الإيراني واقعاً تحت وطأة مواجهة ثقيلة مع النظام الإيراني، حيث تعالت حدة التحذيرات العاجزة أمام تنامي النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، لدرجة تشبيه النفوذ الإيراني بـ "النار الإغريقية" التي تزداد اشتعالا كلما رُميت بالماء، بل إن النفوذ الإيراني اليوم قد بلغ مبلغاً لم يصله نفوذ أي من الأنظمة التي هددت سابقاً المصالح العالمية في الشرق الأوسط.
وبمقابل الكم الهائل من تحذيرات تنامي النفوذ الإيراني، نجد إن هناك قلة من التحليلات المعمقة والوافية عن أسباب تنامي هذا التأثير.
يتعاطى المحللون الإستراتيجيون في تحليلاتهم مع إيران شأنها شأن أي دولة شرق أوسطية، ويغفلون عن الخصائص المميزة للنظام الإيراني عن بقية دول المنطقة؛ وهذا هو سبب أخفاق أغلب العقوبات التي فُرضت على إيران؛ لأنها نابعة من افتراض أن العقوبات التي فُرضت على أي دولة شرق أوسطية يمكن أن تأتي بنفس النتائج مع إيران.
ولكن الحقيقة أن أغلب هذه العقوبات جاءت بنتائج عكسية.
فما هي الخصائص التي يتسم بها النظام الإيراني عن بقية أنظمة المنطقة؟!
أولاً: العقلية الفلسفية لشخوص النظام الإيراني: حيث أن الكثير – إذا لم يكن غالبية – قيادات النظام والمؤثرين في القرار الإيراني، قد درسوا الفلسفة في المدرسة الدينية "الحوزة" وهذا ما عزز من قدراتهم التنافسية وميّزهم عن أقرانهم من صناع القرار في المنطقة؛ حيث إن دراسة الفلسفة المعمقة قد دربت العقل القيادي الإيراني على الفهم العميق لروح السياسة وإستيعاب معادلات القوة الدولية، وهذا ما جعلهم يناورون ويفاوضون بعقلية مفكرين وليس بعقلية انقلابين أو عسكريين.
إذا نظرنا لدول الشرق الاوسط، سنجد العديد من الفلاسفة والمفكرين، سواء أكانوا قوميين، إسلاميين، اشتراكيين، ولكن ما نتحدث عنه في الحالة الإيرانية هي وفرة هؤلاء الفلاسفة، وكذلك وجودهم بمواقع متقدمة في مراكز صنع القرار.
ثانياً: الاستقرار النفسي للقيادات الإيرانية: وهذه الميزة قد يصعب فهمها من قبل المحلل الاستراتيجي ، بسبب الاختلافات الثقافية، حيث أن الطبيعة الروحانية للدراسات الدينية تُكسب طالبيها استقراراً نفسياً في التعامل مع الإحداث، بعكس قيادات العديد من دول المنطقة، التي يمكن أن تتأثر قراراتها بحالتها النفسية، بينما نجحت قيادات النظام الإيراني بإخراج القرارات من دائرة "ردود الأفعال" إلى دائرة "المبادرات".
ثالثاً: تم تصميم نظام الحكم السياسي في إيران لكي يحمل بين طياته بذور استمراره وإعادة أنتاج نفسه تلقائياً طبق الأصل عن صورته الأولى؛ إن تعقيد النظام السياسي، جعل منه نظاماً غامضاً يصعب على العديد من المحللين تشخيص نقاط قوته وضعفه و آليات اتخاذه للقرار، وما زاد من صعوبة فهم هذا النظام إنه لا يشابه اي من أنظمة المنطقة والعالم بصورة عامة..
إن قراءة وفهم دورة حياة الحكم في إيران، تجعل من الواضح إن كل مرشد أعلى سابق، يساهم ويضع معايير اختيار المرشد اللاحق، وبالتالي يمكن التنبوء إلى درجة كبيرة بشخصية المرشد المقبل، ربما ليس بالاسم، بل بالخصائص والتوجهات الفكرية والسياسية.
رابعاً: قيادات الخط الأول، هم أُناس مفكرين وفلاسفة قبل إن يكونوا سياسيين، وهذه النقطة ليس تكراراً للنقطة الأولى، التي أوضحنا فيها إن القيادات الإيرانية يمتلكون عقلية فلسفية، بل هي نقطة أخرى جوهرية مميزة للنظام الإيراني، ففي أنظمة دول الشرق الاوسط، نجد العديد من الخبراء والمستشارين للقيادات السياسية، ولكن لو تأملنا عملية صناعة القرار في هذه البلدان، سنجدها إنها وليدة أتفاق طرفان هما "السياسي" و "المستشار"، اللذان قد يتفقان أو يختلفان في وجهات النظر، بل وقد يبادر القائد السياسي بإتخاذ قراره متجاهلاً عقلانية مستشاريه؛ لكن ما يميز القيادات الإيرانية، هو التكامل بين عقلية السياسي الحاكم، وبين عقلية المستشار المفكر في نفس الشخص، وبالتالي تزداد احتمالات صواب القرار، وصناعته بموضوعية بعيداً عن الانفعالات.
خامساً: توجه القيادات الإيرانية ومنذ الأيام الأولى للثورة للعمل وفق ذهنية وتخطيط استراتجيان، وخلال الثلاثون عاماً اللاحقة نجحت القيادة الإيرانية في تحويل نقاط ضعفها إلى قوة، وتعزيز عناصر قوتها، بينما نشاهد العديد من دول المنطقة قد بدأت متأخرة جداً بوضع خطط إستراتيجية؛ راجع مقال "العمق الاستراتيجي".
إن خصائص النظام الإيراني أعلاه، تحتم على الخبراء الاستراتيجيين التعامل مع الملف الإيراني بعقلية مختلفة عن تعاملهم مع ملفات دول الشرق الأوسط، حيث تفتقر دول الشرق الاوسط لرؤية أو مخططات إستراتيجية، وبالتالي فهي تسير ضمن المخططات المرسومة لها عالمياً، ولكن الوضع يختلف مع الإيرانيين، فأي مخطط مواجهة يوضع ينبغي بل يجب أن يأخذ بنظر الاعتبار الاستراتيجيات الإيرانية وتكتيكات تحقيقها.
إن الحديث عن (ضربة جوية، عقوبات، عزل، وغيرها)، جميعها مصطلحات تمثل أدوات مواجهة، وليست إستراتيجية مواجهة، وجميع هذه الأدوات يمكن أن تأتي بنتائج عكسية إذا لم تستخدم في أُطرها الإستراتيجية.

السبت، 21 يناير 2017

العمق الاستراتيجي.. لمحة عن أهمية "الاستراتيجية" في قيام الدول

في كتابه "العمق الاستراتيجي" سعى وزير الخارجية ورئيس الوزراء التركي أحمد داود اوغلو لصياغة معادلة توضح مكونات القوة للدول، والأهم من ذلك، أنه بيّن تأثير الإستراتيجية في تعظيم أو تحجيم مكونات القوة التي تمتلكها الدولة.
فمعادلة (القوة) للدولة  = }معطيات الثابتة + معطيات المتغيرة{ × }ذهنية إستراتيجية × خطة إستراتيجية× إرادة سياسية{.
وكما هو موضح، فإن المعطيات الثابتة = التاريخ+ الجغرافيا+ عدد السكان+ الثقافة.
المعطيات المتغيرة = القدرة التكنولوجية +القدرة العسكرية+ القدرة الاقتصادية.

معادلة القوة الدولية
والنقطة المهمة جداً، إن الإستراتيجية في حال وجودها، لا تعتبر إضافة إلى مكونات القوة، بل هي تضاعف مكونات القوة! وهذه النقطة جوهرية وذكية للغاية، فالإستراتيجية تُضرب (×) بمجموع عناصر القوة ولا تُجمع معها، بمعنى، إن امتلاك إدارات الدولة وقياداتها لـ (ذهنية إستراتيجية + خطة إستراتيجية + إرادة سياسية) سيضاعف قيمة عناصر قوة الدولة، الثابتة منها والمتغيرة.
حيث يوضح المؤلف وهو من أبرز منظري السياسة الخارجية التركية إلى إن (الدول التي تفتقر لذهنية إستراتيجية واضحة وتخطيطا استراتيجيا سليماً لن تشكل قوة يُعتد بها، مهما بلغ تفوقها بعناصر قوتها الثابتة والمتغيرة)، وستكون محصلة معادلة القوة لديها ضعيفة، واقل من مثيلاتها من الدول الأخرى، ذات نفس عناصر القوة الثابتة والمتغيرة.
ويشدد أوغلو في معادلته للقوة الدولية على أهمية "العنصر البشري"، فإذا كان من غير الممكن تغير التاريخ والجغرافية! فإن العنصر البشري الجيد يمكن أن يُكسب الجغرافيا والتاريخ آفاقا جديدة، بينما "العنصر البشري" غير المؤهل يمكن أن يُحول عناصر قوة البلاد إلى عناصر ضعف.
يرتبط ويؤثر "العنصر البشري" بل ويُعد الأساس في صنع قدرة الاقتصادية والعسكرية عظيمة، حتى لو أنطلق من أرضية مدمرة، ولكن (بشرط امتلاك إرادة سياسية، ذهنية إستراتيجية، خطة إستراتيجية)

يذكر المؤلف العديد من الأمثلة كـألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية وخروج أمريكا من أزمتها الاقتصادية عام 1929، بسبب امتلاكها للعنصر البشري المؤهل، بعكس النظم السياسية في الشرق الأوسط التي عجزت عن بناء دول مؤثر رغم كل مواردها (المتغيرة والثابتة)، بسبب غياب (الذهنية الإستراتيجية والتخطيط الاستراتيجي).