بات المعسكر المناوئ
للتوسع الإيراني واقعاً تحت وطأة مواجهة ثقيلة مع النظام الإيراني، حيث تعالت حدة التحذيرات
العاجزة أمام تنامي النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، لدرجة تشبيه النفوذ
الإيراني بـ "النار الإغريقية" التي تزداد اشتعالا كلما رُميت بالماء،
بل إن النفوذ الإيراني اليوم قد بلغ مبلغاً لم يصله نفوذ أي من الأنظمة التي هددت سابقاً
المصالح العالمية في الشرق الأوسط.
وبمقابل الكم الهائل من
تحذيرات تنامي النفوذ الإيراني، نجد إن هناك قلة من التحليلات المعمقة والوافية عن
أسباب تنامي هذا التأثير.
يتعاطى المحللون الإستراتيجيون
في تحليلاتهم مع إيران شأنها شأن أي دولة شرق أوسطية، ويغفلون عن الخصائص المميزة للنظام
الإيراني عن بقية دول المنطقة؛ وهذا هو سبب أخفاق أغلب العقوبات التي فُرضت على
إيران؛ لأنها نابعة من افتراض أن العقوبات التي فُرضت على أي دولة شرق أوسطية يمكن
أن تأتي بنفس النتائج مع إيران.
ولكن الحقيقة أن أغلب هذه العقوبات
جاءت بنتائج عكسية.
فما هي الخصائص التي يتسم
بها النظام الإيراني عن بقية أنظمة المنطقة؟!
أولاً: العقلية الفلسفية
لشخوص النظام الإيراني: حيث أن الكثير – إذا لم يكن غالبية – قيادات النظام والمؤثرين
في القرار الإيراني، قد درسوا الفلسفة في المدرسة الدينية "الحوزة" وهذا
ما عزز من قدراتهم التنافسية وميّزهم عن أقرانهم من صناع القرار في المنطقة؛ حيث
إن دراسة الفلسفة المعمقة قد دربت العقل القيادي الإيراني على الفهم العميق لروح
السياسة وإستيعاب معادلات القوة الدولية، وهذا ما جعلهم يناورون ويفاوضون بعقلية
مفكرين وليس بعقلية انقلابين أو عسكريين.
إذا نظرنا لدول الشرق
الاوسط، سنجد العديد من الفلاسفة والمفكرين، سواء أكانوا قوميين، إسلاميين، اشتراكيين،
ولكن ما نتحدث عنه في الحالة الإيرانية هي وفرة هؤلاء الفلاسفة، وكذلك وجودهم بمواقع
متقدمة في مراكز صنع القرار.
ثانياً: الاستقرار النفسي للقيادات
الإيرانية: وهذه الميزة قد يصعب فهمها من قبل المحلل الاستراتيجي ، بسبب الاختلافات الثقافية، حيث أن الطبيعة الروحانية
للدراسات الدينية تُكسب طالبيها استقراراً نفسياً في التعامل مع الإحداث، بعكس
قيادات العديد من دول المنطقة، التي يمكن أن تتأثر قراراتها بحالتها النفسية، بينما نجحت قيادات النظام
الإيراني بإخراج القرارات من دائرة "ردود الأفعال" إلى دائرة
"المبادرات".
ثالثاً: تم تصميم نظام
الحكم السياسي في إيران لكي يحمل بين طياته بذور استمراره وإعادة أنتاج نفسه
تلقائياً طبق الأصل عن صورته الأولى؛ إن تعقيد النظام السياسي، جعل منه نظاماً
غامضاً يصعب على العديد من المحللين تشخيص نقاط قوته وضعفه و آليات اتخاذه للقرار،
وما زاد من صعوبة فهم هذا النظام إنه لا يشابه اي من أنظمة المنطقة والعالم بصورة
عامة..
إن قراءة وفهم دورة حياة
الحكم في إيران، تجعل من الواضح إن كل مرشد أعلى سابق، يساهم ويضع معايير اختيار
المرشد اللاحق، وبالتالي يمكن التنبوء إلى درجة كبيرة بشخصية المرشد المقبل، ربما
ليس بالاسم، بل بالخصائص والتوجهات الفكرية والسياسية.
رابعاً: قيادات الخط الأول،
هم أُناس مفكرين وفلاسفة قبل إن يكونوا سياسيين، وهذه النقطة ليس تكراراً للنقطة الأولى،
التي أوضحنا فيها إن القيادات الإيرانية يمتلكون عقلية فلسفية، بل هي نقطة أخرى
جوهرية مميزة للنظام الإيراني، ففي أنظمة دول الشرق الاوسط، نجد العديد من الخبراء
والمستشارين للقيادات السياسية، ولكن لو تأملنا عملية صناعة القرار في هذه البلدان، سنجدها إنها وليدة أتفاق طرفان هما "السياسي" و "المستشار"، اللذان قد يتفقان أو
يختلفان في وجهات النظر، بل وقد يبادر القائد السياسي بإتخاذ قراره متجاهلاً عقلانية
مستشاريه؛ لكن ما يميز القيادات الإيرانية، هو التكامل بين عقلية السياسي الحاكم،
وبين عقلية المستشار المفكر في نفس الشخص، وبالتالي تزداد احتمالات صواب القرار،
وصناعته بموضوعية بعيداً عن الانفعالات.
خامساً: توجه القيادات الإيرانية
ومنذ الأيام الأولى للثورة للعمل وفق ذهنية وتخطيط استراتجيان، وخلال الثلاثون
عاماً اللاحقة نجحت القيادة الإيرانية في تحويل نقاط ضعفها إلى قوة، وتعزيز عناصر
قوتها، بينما نشاهد العديد من دول المنطقة قد بدأت متأخرة جداً بوضع خطط إستراتيجية؛
راجع مقال "العمق الاستراتيجي".
إن خصائص النظام الإيراني
أعلاه، تحتم على الخبراء الاستراتيجيين التعامل مع الملف الإيراني بعقلية مختلفة عن
تعاملهم مع ملفات دول الشرق الأوسط، حيث تفتقر دول الشرق الاوسط لرؤية أو مخططات
إستراتيجية، وبالتالي فهي تسير ضمن المخططات المرسومة لها عالمياً، ولكن الوضع
يختلف مع الإيرانيين، فأي مخطط مواجهة يوضع ينبغي بل يجب أن يأخذ بنظر الاعتبار الاستراتيجيات
الإيرانية وتكتيكات تحقيقها.
إن الحديث عن (ضربة جوية،
عقوبات، عزل، وغيرها)، جميعها مصطلحات تمثل أدوات مواجهة، وليست إستراتيجية
مواجهة، وجميع هذه الأدوات يمكن أن تأتي بنتائج عكسية إذا لم تستخدم في أُطرها الإستراتيجية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق